إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة هكذا تكلم المسيح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة هكذا تكلم المسيح. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 ديسمبر 2018

هكذا تكلم المسيح 6 - هل ندخل الملكوت اطفالاً؟

رأى يسوع أطفالاً يرضعون. فقال لتلاميذه: إن هؤلاء الأطفال الرُضَّع يشبهون الذين يدخلون الملكوت.قالوا له: فهل ندخل الملكوت أطفالاً؟قال لهم يسوع: عندما تجعلون الاثنين واحداً، وعندما تجعلون الباطن كالظاهر والظاهر كالباطن، والأعلى كالأسفل، وعندما تجعلون الذكر والأنثى واحداً، حتى لا يبقى الذكر ذكراً ولا الأُنثى أُنثى، وعندما تجعلون عينين مكان عين واحدة، ويداً مكان يد، ورِجْلاً مكان رِجْل، وصورةً مكان صورة، عندئذٍ تدخلون الملكوت.



لقد اولى يسوع الاطفال مكانة مميزة في تعاليمه، فهو لم يتوقف ابداً عن القول بأن علينا ان نكون مثل الاطفال حتى ندخل ملكوت السماوات او الجنة، وكنا دائماً نتسائل عن سبب ذلك التمييز للطفل، فالبعض يقول بأنه ميز الاطفال لأنهم يرتكبون اي خطيئة بعد، والبعض قال بأنه ميزهم لبرائتهم وانهم على فطرتهم وسجيتهم، 

لكن اليس هناك ميزة في كون الشخص ليس طفلاً؟ لو اراد الله ان نكون اطفالاً فقط لما جعلنا في موضع الاختبار والتجربة، فلابد من انه يوجد شيء مميز في كون الانسان يمر بالتجارب التي بالطبع تؤثر على نظرته للعالم وللحياة ولا تجعله طفلاً، لكن لماذا يطلب منا اذاً ان نعود مثل الاطفال مرة اخرى،،

لابد ان يحمل المقصود من العودة للطفولة هنا هو عودة مختلفة، فأنت تعود طفلاً بإرادتك بعد مرورك بالخبرات والتجارب المختلفة، لكن ما علاقة الكلام الذي يقوله يسوع هنا بالعودة للطفولة؟ ما معنى ان نجعل الاثنين واحداً؟! والظاهر كالباطن، والاعلى كالأسفل؟ والذكر كالأنثى،،

قد يبدو الكلام غامضاً، كذلك يبدو دائماً كلام المسيح وغيره من المعلمين اذا حاولنا فهمه بالعقل وحده، فلابد ان نجعل القلب ايضاً رفيقا لنا في هذا الطريق، 

يتفضل المسيح: "هؤلاء الأطفال الرُضع يشبهون الذين يدخلون الملكوت"


لاحظ قوله "يشبهون" فنحن على ما يبدو لا ندخل الملكوت اطفالاً، بل هناك تشابه بين الطفولة والحالة التي تؤهلنا للدخول الى الملكوت، لأن ثمة شيء هام في تجارب الحياة والتي تميز الكبير عن الطفل الرضيع

ثم يسأله تلاميذه: هل ندخل الملكوت اطفالاً؟

هذا ولأن المعنى لم يكن قد اتضح لهم بعد، فالانسان لا يدخل الملكوت بهيئته البشرية، فلا معنى ولا فرق حينئذٍ بأي هيئة ستدخل الملكوت، 

لذلك أردف يسوع موضحاً مقصده : " عندما تجعلون الاثنين واحداً، وعندما تجعلون الباطن كالظاهر والظاهر كالباطن، والأعلى كالأسفل، وعندما تجعلون الذكر والأنثى واحداً، حتى لا يبقى الذكر ذكراً ولا الأُنثى أُنثى، وعندما تجعلون عينين مكان عين واحدة، ويداً مكان يد، ورِجْلاً مكان رِجْل، وصورةً مكان صورة، عندئذٍ تدخلون الملكوت.

هذا هو ما يميز الطفل، لكنه ما دون الوعي، فالطفل لم يعايش العالم بعد، لذلك فهو لا يفرق بين الاثنين والواحد، ولا الباطن ولا الظاهر، ولا الاعلى ولا الاسفل، لا معنى لهذه التصنيفات لديه، فهو يرى العالم كأنه وحدة واحدة، لكن بعد ان يدخل الطفل للعالم بالتدريج فإنه يقع في فخ التصنيف والتقسيم، فيفصل بين كل شيء ليتمكن من فهمه، وهي عادة من عادات العقل "ان اردت ان تفهم شيئاً ما عليك ان تجزئه" هكذا يفكر العقل، فيأخذ كل شيء ويفهمه بمعزل عن الاخر، لذلك فبالنسبة للانسان العادي لابد ان يختلف الشيء عن ضده، فثمة فروقات كبيرة بين النور والظلام، والخير والشر، والجيد والسيء، فالظلام والشر شيء سيء عليك ان تتجنبه وهو غير مرتبط بالخير الذي ترغب فيه، 


عندما استخدم كلمة "العقل" فأنا اعني فقط العقل الواعي، وهو احد مستويات العقل، ذلك الذي يفكر بالمنطق، الذي يتوقع ويحسب الامور، فهذا العقل الواعي هو الذي يقوم بالتقسيم والتجزئة، وهو الذي يكون معرفته من خلال التلقي من العالم الخارجي وربط الامور ببعضها، 

هذا العقل هو الذي يجعلنا نرى الاختلافات والفروقات بين كل شيء، لكن هل هذه هي الطريقة الوحيدة لرؤية العالم؟؟

هذه الطريقة في رؤية العالم محدودة جداً، فأنت لم تستخدم امكانياتك الكاملة للنظر للعالم، ماذا عن ابعاد العقل الاخرى التي لم نعد نعتمد عليها بعد؟

هناك مستويات عديدة من العقل :


- العقل الواعي وهو المسؤول عن التفكير الواعي كما ذكرنا

- العقل اللاواعي وهو المسؤول عن الاحلام والعاطفة والمشاعر والحس الفني والحدس وامور اخرى، وهو الجزء الخفي من النفس، ويحتوي ايضاً على كل ما تم كبته او تجاهله من العقل الواعي، 

- العقل اللاواعي الجمعي: وهو مستوى اعمق واخفى من العقل اللاواعي الفردي، حيث انه مثله ولكنه يخص البشرية جمعاء، وهو يحوي بداحله تجارب البشرية وتقاليدها ومعتقداتها، وهو نقطة الوصل بين كل فرد وبين جميع البشر، بل وجميع الكائنات الحية.

- العقل العالي: وهو مستوى اعمق واعمق من التفكير، وهو يحوي كل المعارف السابقة والقادمة للبشر، وهو المستوى الروحي، او الوعي الروحي، حيث يكون الانسان متصلاً بكل ما كان وما يكون، وهو المسؤول عن تلقي الالهام والوحي، تلقي وفهم الحقائق والاسرار الروحية دون تعلم او تلقي خارجي، ومسؤول عن القدرات الروحية، ونحو ذلك،، 

نحن عادةً نستخدم فقط المستوى الاول من الوعي لرؤية العالم والتعامل معه، وهذا ما يجعل نظرتنا ضيقة ومحدودة للغاية، وما يميز الطفل هو انه اكثر ميلاً للمستوى اللاواعي للتفكير، كما انه ايضاً يتاثر باللاوعي الجمعي، ويكون مدركاً بسبب مرونته للمستوى الاعلى من الوعي وهو العقل العالي،  لذلك تحدث يسوع عن العودة للطفولة، لكن كإنسان ناضج لم تعد طفلاً بعد، عليك ان تفهم اولاً ماهو المطلوب حتى تعود للطفولة مجدداً، وهو الاعتماد على مستويات مختلفة من الوعي حتى يتحقق دخول الملكوت، وما الملكوت الذي يدعو اليه المسيح الا حالة من حالات الوجود، الم يقل يسوع "ان الملكوت بداخلكم" ، وما الملكوت الا العيش وفقاً لأعلى مستويات الوعي الممكنة، اي العيش من خلال الوعي الروحي، 

لكن ما المشكلة في الاعتماد على المستوى الاول من العقل فقط في فهم العالم؟


ليست ثمة مشكلة في اي شيء، المشكلة الوحيدة الموجودة هي عدم الفهم، اعني فهم ما نمر به ونختبره والتأمل فيه بعمق، حتى ندرك بأنفسنا ما هو سبب شقائنا وما هو سبب خلاصنا،،

العقل الواعي هو عملية التفكير الظاهرية، وهو دائما يسعى ان يجعل الامور مفهومة وواضحة وتحت السيطرة، لذلك ايضاً هو مصدر القلق والاضطراب، فلا شيء يبقى تحت السيطرة دائماً، هناك احتمال دائماً بأنك ستخسر شيء ما في المستقبل، سيحدث لك مكروه ما، لذلك لن يختفي القلق ابداً مادمت تعتمد فقط على العقل الواعي،، والقلق في حد ذاته جحيماً يخلقه عقلك، فنحن في الحقيقة نقلق دائماً اكثر مما ينبغي، بل ان الحياة نفسها تهدر في التفكير بخصوص المستقبل بشكل مستمر، 

كما ان العقل دائماً يعدك بمستقبل افضل، ويخلق التوقعات، ثم حينما يأتي المستقبل، يذهب بك لمستقبل اخر، وهكذا، فانت لا تستطيع ابداً ان تعيش، محصلة حياتك ستكون عبارة عن مجموعة من المطامع والاحباطات واحلام اليقظة،، وان فزت بشيء حقاً وفرحت لبعض الوقت، فلابد وان يزول فرحك المؤقت وتواجه بخيبة امل جديدة، فأي نعيم يرجى من هذا؟

لذلك العيش فقط وفقاً لهذا المستوى من الوعي، لن يكون كافياً وحده ابداً، بل انه يخلق جحيماً مستمراً،، 

لكن كيف نعبر من هذا المستوى؟ 


العبور من هذه المرحلة لا يكون الا من العقل الواعي نفسه، لذلك نجد ان المسيح والمعلمين الروحيين كانوا يتكلمون بلغة العقل الواعي ايضاً، ويستخدمون كل الطرق والامثلة والتشبيهات، حتى يأخذوا بأيدينا الى ما هو ابعد من هذه المرحلة الضيقة، علينا اولاً ان نفهم اننا لا نستطيع ان نفهم كل شيء، وان المستقبل دائماً خارجا عن السيطرة والتوقعات، ونبدأ تدريجيا في الاعتماد على قوة اكبر منا وندعها تسير امورنا، تلك القوة التي تسير الكواكب والاكوان والعوالم أتعجز ان تدير حياتك؟، فالخطوة الاولى اذاً ان نبدأ في التسليم،، 

وهو أمر ليس بالسهل، فالتسليم هنا ليس فقط تسليم امور حياتك اليومية العادية لله، بل ايضاً فكرك ومعرفتك بالكامل!، لابد ان تكون على قناعة تامة بأن نظرتك للامور اقبل بكثير من ان تكون هي الحقيقة، فما تراه ظلاماً ربما يكون نوراً مستتراً، وما تراه شراً ربما يكون خيراً وهكذا،، 

قصة موسى عليه السلام والخضر، هي شاهد على ذلك، فموسى عليه السلام كان يمثل العقل الواعي، المنطقي، اما الخضر فكان يمثل الحكمة العليا، التي هي دائما مخالفة لما نتوقعه او نتخيله، فما كان يحسبه موسى شراً وجرماً، كان خيراً في كل الاحوال، وهذا هو الدرس، ان لا نثق كثيراً بنظرتنا للامور، وان نسلم بذلك!

ولا يمكن ان ندخل الملكوت الذي كان يبشر به المسيح ابداً، الا بتخطي هذا المستوى وهو ان نرى الاثنين واحدا ، والاعلى اسفل والاسفل اعلى ، والنور ظلام والظلام نور، هو ببساطة يعني ان لا نثق فيما نعرفه، بل نتخطاه، نتخطى عقلنا الواعي بالكامل، وان بدأنا بالتسليم، فحقاً لن نكون عارفين على وجه اليقين ما هو النور وما هو الظلام، وما هو الاعلى وما هو الاسفل وما هو الخير وما هو الشر،، وهذه هي البداية ،، 

لكن عبور هذا المستوى لا يعني الوصول والخلاص، فالعقل اللاواعي ايضاً محمل برواسب ولدها العقل الواعي، احباطات خيبات امل، مشاعر غضب وحزن كبتناها او تجاهلناها، كما انه باتصالاه مع اللاوعي الجماعي، فهو ايضاً يتلقى عنها، هو لم يصبح حراً بعد، بل ما زال مقيداً اخرى،، 

وهنا نحتاج لشيء اخر لنعبر الى مستوياتٍ اخرى، وهو التأمل، ومراقبة النفس، ليس التأمل الذي اقصده هو ان تجلس بصورة معينة وتشعل البخور، وتتنفس بطريقة ما ونحو ذلك، بل هو ببساطة ملاحظة النفس ومراقبتها، مراقبة ما يدور داخلك بينما انت تعيش حياتك، فإن برز الغضب، فهو فرصة لتفهم ما هو هذا الغضب ولماذا ظهر، ليس بطريقة العقل الواعي، بل فقط الملاحظة كفيلة ان تجعلك منتبهاً، وانتباهك لشيء ما ببساطة يعني تجاوزه بالكلية، ان فهمت السبب الحقيقي للمشكلة حقاً، ستختفي تماماً، كذلك الفرح، الحزن، كل شيء لابد ان نتعامل معه على انه فرصة لنعرف النفس، لذلك قيل "من عرف نفسه عرف ربه" وقال المسيح في مطلع هذا الانجيل "فإنكم ان تعرفوا انفسكم ستعرفون وتفهمون انكم انتم ابناء الآب الحي"،، ومعرفة النفس في ذاتها ليست هي معرفة الله بل بدون معرفة النفس لن نستطيع ابدا ان نعبر لما ورائها، حيث ملكوت السماوات وما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب البشر. 

لذلك فالحكيم يرى كل شيء كفرصة يتعلم منها شيء، لا تعلما تراكمياً، بل تعلما بالوعي والانتباه، الوعي في حد ذاته كفيلاً بتحويل اي شيء، لذلك الكثير من الحكماء قاموا بتشبيه الوعي بالنور، لأن وجوده ببساطة يبدد الظلمة، وما الظلمة في انفسنا الا مناطق لم يدخلها الوعي بعد،، 

عندما يصبح الوعي اعمق، ويصبح التأمل سائداً، حينئذٍ يبدأ الإنسان بملاحظة رواسب الفكر البشري وكيف تؤثر عليه وعلى دوافعه ونحو ذلك، حينئذٍ يتطلب الامر وعياً اكثر يقظة، وانتباهاً اكثر حدةً،،
وفي النهاية حين يصبح الانسان وعي محضاً، ويمتليء كيانه بالنور، حينئذٍ يكون متصلاً بالعقل العالي، او الوعي العالي، وهو مستوى الروح، حيث لا يوجد مرض ولا موت ولا فناء لشيء، حيث الملكوت الأعلى،، 

ولكن بالرغم من اننا حالياً لم نصل لتلك المرحلة من الوعي بحيث اصبح النور يملأ كياننا تماماً، الا اننا على اتصال بجميع مستويات العقل، لانها بداخلنا ، فنحن جميعاً في الملكوت، ونعرف كل شيء ، لكن تلك المعرفة الصافية قد غطت عليها العواصف الشديدة لمستويات الوعي الاخرى، فانت بإمكانك العبور للحظات والدخول في الملكوت، اذا بدأت بالتسليم، وهدأت عاصفة العقل الواعي قليلاً، يمكنك حينئذٍ ان تعبر وتشعر بومضات من عالم الروح والذي هو بداخلك واقرب اليك من حبل الوريد،،

وما الصلاة والعبادات الى محاولات لانتشالك من وسط وعيك الحالي الى مستويات الوعي الاعلى، وطرقاً لتدريبك على تهدئة عقلك والاعتماد على العقل العالي،، 

حين نكون داخل المستوى الاول من الوعي، فنحن نرى الذكر والانثى والاعلى والاسفل والنور والظلام، بل نرى فقط الثنائيات ولا نرى التكامل ،، 

فإن تجاوزنا ذلك المستوى، اصبحنا لا ندري ماهو الاعلى والاسفل والذكر والانثى،، 

ثم في الملكوت، لا نرى اعلى واسفل او خير او شر او ظلام او نور او ذكر او انثى، لأنه في الحقيقة لا يوجد اعلى او اسفل او خير او شر او نور او ظلام الا بالنسبة لعقلنا في مستوياته الاولى ،،

حينها نكون قد استبدلنا العينين "اي الازدواجية" بعين واحدة "اي بالأحدية" ، ونكون حينها قد تبدلنا تماما، فتبدلت اليد القديمة بيدٍ جديدة، والرجل القديمة برجلٍ جديدة، والصورة القديمة بالصورة الجديدة،،

فحين يتبدل الوعي ويتحول يتبدل الكيان كله، 

فأنت لم تعد جسدك المادي الظاهري كما كنت تحسب، فيدك الجديدة غير محدودة بما تراه، بل كل شيء تراه في اطارك لانه ليس ثمة انفصال بينك وبين اي شيء، ورجلك القديمة التي كانت تسعى في هذا العالم الفاني، اصبح لها دروباً جديدة، وصورتك التي حبست نفسك فيها، قد تبدلت واصبحت "لا صورة"، فالشكل الذي تراه في المرآة ليس شكلك انما هيئة جسمك فقط، لكن صورتك الحقيقة ليست ما تراه في المرآة بل ما تراه بداخلك..









السبت، 7 أبريل 2018

هكذا تكلم المسيح 5 - كيف نرى حقيقة المسيح؟

هكذا تكلم المسيح 5 - كيف نرى حقيقة المسيح؟



37. قال تلاميذه: متى تظهر لنا، ومتى نراك؟
قال يسوع: عندما تتعرَّون بدون أن تخجلوا وتخلعون ثيابكم وتضعونها تحت أرجلكم كالأطفال الصغار وتدوسونها، عندئذٍ ترون ابن الحيِّ ولن تخافوا.

سأل التلاميذ يسوع متى تظهر لنا ومتى نراك، بالرغم من انه يقف أمامهم مباشرة، لكنهم هنا لم يكونوا بالتأكيد يسألونه عن الرؤية العادية، بل كانوا يسألونه عن رؤية حقيقته والتي هي ليست جسده، ولا تنتمي الى عالم الأجساد والأشكال، فهم يقفون أمامه بالفعل لكنهم ربما يعجزون عن رؤية حقيقته الروحانية، حينئذ اجاب يسوع بما يرفع عن عيونهم ما يحجبهم عن رؤية نوره الأزلي وحقيقته السرمدية.

قال يسوع: عندما تتعرَّون بدون أن تخجلوا وتخلعون ثيابكم وتضعونها تحت أرجلكم كالأطفال الصغار وتدوسونها، عندئذٍ ترون ابن الحيِّ ولن تخافوا.

لأن سؤال تلاميذه لم يكن يتحدث عن هيئة مادية بل حقيقة روحانية، كذلك كان جواب المسيح بالتأكيد فهو يتحدث عن ثياب ليست بالثياب المادية، وهي بشكل ما تعيق التلاميذ عن عرفان حقيقة المسيح.

يطلب المسيح منهم هنا أن يتعروا عن كل الأثواب دون خجل، فما هي ياترى تلك الأثواب؟

الأثواب هي كل ما يقف حائل بيننا وبين الحقيقة، هي كل تعريف نضعه لأنفسنا، كالأسم واللقب والإنتماء وغير ذلك، ثم هي صورتنا وصورة العالم، اي تصورنا ان الحقيقة هي ما نراه، ثم هي كل ما يتصوره ويتخيله عقلنا ويظن انه الحقيقة.

بالأمكان ان نقسم تلك الأثواب الى ثلاثة، كل واحد منها هو حجاب يحول بيننا وبين الحقيقة:

- الثوب الأول: هو عالم الاسماء والصفات: ويشمل كل اسم نطلقه على أنفسنا، ثم كل المسميات التي نطلقها على جميع الأشياء.

- الثوب الثاني: عالم الشكل والصور: وهو كل ما تراه اعيننا، وتصورنا ان الحقيقة هي ما نراه.

- الثوب الثالث: كل ما نتخيله، اي كل ما يمكن ان يتصوره العقل ويحيط به.

يطلب يسوع من التلاميذ ان يخلعوا كل هذه الثياب دون خجل او تردد، ويدوسونها بأقدامهم دون الشعور بالمرارة، يقول: تضعونها تحت اقدامكم كالأطفال، ليشير ان الأطفال عرايا لا يبالون بكل تلك الثياب، لذلك اشار يسوع في اكثر من موضع بأن الأطفال فقط من يدخلون الملكوت، وأنه اعطى الأطفال ما حرم منه أهل العلم والمعرفة.

فقط حين نخلع تلك الثياب جميعا، سنتمكن من معرفة الحقيقة، حقيقة أنفسنا وحقيقة كل نفس، وحينها فقط ان مر أمامنا شخص مثل يسوع، فلسوف نتمكن من رؤية نوره الذي هو اصل كل الأنوار، وحقيقته التي هي منبع كل الحقائق.

ثم يختم يسوع قوله ويقول: حينئذ تبصرون ابن الحي ولن تخافوا.

فقط حين التجرد عن كل الاسماء والصفات والصور والخيالات سنتمكن من معرفة حقيقة المسيح ورؤية نوره المستور خلف حجاب الجسد والإسم والصورة.

يجب ان نعرف أنه بإمكان شخص مثل يسوع أن يخرق كل الحجبات ويظهر حقيقته حتى قبل أن نصبح مهيئين لذلك، لكن مداركنا طالما كانت محدودة فلن نحتمل أبدا، لذلك قال: ستبصرون ابن الحي ولن تخافوا، فقط بعد النظر بعين مجردة من كل الحدود يمكن ان نرى "ابن الحي" ولن نخاف.


الأربعاء، 18 أكتوبر 2017

هكذا تكلم المسيح - 4 - اذا كان المرء تاماً

هكذا تكلم المسيح - إذا كان المرء تاماً







يقول يسوع:


لهذا السبب أقول: إذا كان المرء <تاماً>، يكون ممتلئاً نوراً، ولكنْ إذا كان منقسماً، يكون ممتلئاً ظلمة.


كم شخصية لديك؟ هل ترى نفسك واحداً كاملاً حقاً؟ الست ترى ان لكل واحد منا في كل مكان وجه مختلف وحال مغاير، الا ترى ان حتى في اللحظة التي تبقى فيها مع نفسك تبرز أمامك اختلافات شتى وانقسامات عديدة، ما أن تلبث فكرة في ان تطفو على سطح العقل الا وتظهر فكرة اخرى غيرها وربما تعارضها، يا ترى من انت؟ هل انت ذاك الذي في المنزل مع العائلة؟ ام من تكونه مع اصدقائك؟، هل انت هذه الفكرة ام تلك؟ 

ان الداء الأكثر شيوعاً لدينا هو هذا الانقسام، انقسام للعديد من الشخصيات، كلنا مصابون بهذا الداء، كلنا لدينا مئات الاصوات في رؤوسنا، لا ندري حقاً الى من نستمع، او اي صوت في تلك الاصوات هو نحن؟؟ 

لكن يسوع هنا يتحدث عن الانسان التام، الممتليء بالنور، ويشير الى عاقبة الانقسام، الا وهو الامتلاء بالظلمة، فكيف يا ترى نتخلص من ظلمة الانقسام، الى نور الوحدة والتمام؟


يجب اولاً أن نفهم لماذا يحدث الانقسام؟


هناك سببان للانقسام يرتبط بعضهما بالآخر ارتباطاً وثيقاً


السبب الاول: هو غياب سلطنة الفرد على عقله، فالعقل دائماً يشرد، وسيل الافكار لا يتوقف ابداً، فكيف يمكن ان يكون الإنسان تاماً ان انجرف مع كل فكرة تأتي في رأسه؟، الأفكار احياناً تكون الأفكار لصوصا، كل فكرة تسرق الانتباه، ملايين الافكار تأتي يومياً، وكل فكرة تسرق من اهتمامك، وما الاهتمام الا طاقة الحياة نفسها، فنحن بتوجيه انتباهنا الى شيء ما نبدأ بتغذيته، فالشيء ان لم تعرفه اهتماماً يموت، والافكار تتغذى على الاهتمام، وكل فكرة تظهر تحاول ان تخطف انتباهك واهتمامك، حينما يشرد ذهنك تماماً وتبقى تابعاً لكل ما يدور في ذهنك من افكار، ستستنفذ طاقتك تماماً، تدريجياً ستفقد القدرة على التواجد في الحياة التي تحدث حولك في كل لحظة لأنك اعتدت ان تعطي كل اهتمامك لما يدور في ذهنك من افكار في كل الوقت، فمتى اذاً ستنتبه وتقوى على ان تعيش في الحياة الحقيقية التي تحدث من حولك؟

حينما تشرد مع كل فكرة تظهر في ذهنك، يبدأ من هنا الانقسام،

لكن الخبر السار انه يمكنك ان تعتاد ان توجه انتباهك للواقع كما اعتدت ان توجه انتباهك للأفكار، والأمر ليس معقداً كثيراً، بإمكانك التدرب على ذلك، فقط ذكر نفسك في حسب انك انت لست هذه الافكار، ولا الصوت الذي تسمعه في رأسك، وان توجه انتباهك للحظة والمكان الذي انت فيه بإرادتك.

مع مرور الوقت، ربما يأخذ الامر وقت كثير مع البعض، او وقت قليل مع آخرين، لكن في كل الاحوال ستجد نفسك قادراً على الانتباه وعدم الانجراف وراء كل فكرة تلمع في ذهنك، وستتمكن من استخدام عقلك بإرادتك الحرة، ولن تكون شارداً تماماً مع كل فكرة تلمع في ذهنك، فقط تذكر ان الأفكار تسلب طاقتك تماماً، كن مراقباً لحركة الافكار في ذهنك دون ان تنجرف مع اي منها، ثم ركز انتباهك على الحاضر، ولا تشعر بالتأنيب ان وجدت نفسك تشرد كثيراً مع الافكار، فالتأنيب ليس الا فكرة اخرى تريد ان تسلب اهتمامك، بل كل ما عليك فعله حينما تلاحظ انك كنت شارداً هو ان تعود الى انتباهك وتتابع يومك بكل سلاسة.

أما السبب الثاني للإنقسام:، هو وجود معتقدات راسخة في اللاوعي تخلق الانقسام في كل الاحيان، مثلا فكرة ان على الانسان ان يبدو جيداً امام الآخرين حتى يحظى بالاحترام وينال مكانة اجتماعية جيدة وسط اقرانه، هذه الفكرة مثلاً احد الافكار الانقسامية، فأنت ربما في الحقيقة لست جيداً، لست كما يظن الآخرون، او لست كما يريدون ويتوقعون، لكنك مضطر ان تظهر لهم بأنك جيد حسب ما يظنون، حتى وان لم تكن كذلك، فتكون مع العائلة والجيران شخص، وتكون مع الأصدقاء شخص، وتكون مع نفسك شخص آخر، مادمت تحمل في عقلك فكرة انه يجب ان تبدو بصورة معينة امام الآخرين فحتماً ستكون منقسماً.

فكرة اخرى مثلاً، هي فكرة الإله الذي سوف يظل ساخطاً عليك مادمت لا تعمل وصاياه، فحين تفعل ما يخالف تلك الوصايا، فسيظهر شخص آخر يؤنبك على ما فعلته، فتجد نفسك وقد اصبح لديك شخصيتين، شخص يفعل وشخص يؤنب، وتظل في صراع وتقلب بين هذين الشخصين!، هل تظن مثلاً انك بهذه الطريقة ستترقى روحانياً بأي شكل؟ ام ان للترقي الروحاني سبيلاً آخر؟

يقول يسوع ان كل ما يخلق الانقسام بداخلنا يؤدي الى الظلمة، 

الظلمة ليست الا غياب النور، 
لذلك علينا ان نوقد النور بداخلنا،
والسبيل لذلك هو ان نتجه نحو التمام - الاتساق مع الذات -  او الوحدة.

الاتساق مع الذات يتحقق حينما يكون الدافع وراء كل ما تفعله واحداً، وان تكون واعياً بذلك، 

وحين تختفي كل الافكار التي تخلق انقساماً داخل النفس، وهذا غير ممكن الا اذا تقبلت نفسك تماماً، تقبلت حالك كما انت، اقتل هذا الثرثار الذي يظهر في رأسك ويخلق انقساماً بداخلك، قبول نفسك تماماً هو بداية التمام ونهاية الانقسام، وحين تكون تاماً فقط يمكن ان تترقى على سلم الروح، فلو كنت منقسماً لعدة اشخاص فمن سيترقى ومن سيهبط ومن سيصعد ومن سينزل، هذه هي العقبة الأكبر امام تطورنا الروحي، حين يصبح المرأ تاماً غير منقسماً، يبدأ رحلته من حيث هو، حتى ان كان الانسان بعيداً جداً، فسيبدأ تطوره من هذه النقطة، اما ان ظل منقسماً فلن يتحرك ابداً.

حين ينتهي الانقسام ويتجلى التكامل، هل تظن ان الامراض الاجتماعية التي نشكوا منها دائماً سيبقى لها وجوداً؟ هل سترى النفاق والتملق؟! هل سترى انسان يتغنى بالقيم السامية العليا ثم يفعل عكس ما يدعو اليه؟!

يقول يسوع ان المرء التام ممتليء بالنور، 

وببزوغ النور تتلاشى الظلمة تماماً، بظهور الحقيقة تنعدم كل الأوهام،،

انسان تاماً يكون ممتلئاً بالنور، مجتمع تاماً يكون ممتلئاً بالنور أيضاً،، 

فليس هناك مصدر للظلام الا الانقسام، 

فكيف نحلم بعالم متحد يعيش في سلام، بينما بداخل كل امريء منا انقسام وفرقة وحرب؟؟

خلاصة القول:

الانقسام يبدأ بشرودنا وراء كل فكرة تظهر في أذهاننا، ويمكننا تجاوز ذلك بالممارسة والمحاولة والتأمل، والاتساق والتمام غير ممكن مع وجود معتقدات تغذي الانقسام، لذلك فعلينا ان نعيد النظر في كل مايخلق الانقسام في انفسنا.




السبت، 21 مارس 2015

هكذا تكلم المسيح -3 - اعرف ما يواجهك

هكذا تكلم المسيح - 3 


. قال يسوع: الشيخ الطاعن في السن لن يتأخر عن سؤال الطفل ابن السبعة أيام عن مكان الحياة، وذلك الشخص سوف يحيا. فكثيرون من الأوَّلين سيكونون آخرين ويصيرون واحداً.


ما اعتدنا عليه جميعاً , هو ان نعلم الصغار لكي يصيروا كباراً , ان الشخص الاكبر سناً هو الاكثر احاطة بالعالم , ربما يكون هذا صحيحاً في عالم المادة والحياة الدنيا , يمكنك ان تعلم صغيرك كيف يأكل , او كيف يشرب , او كيف يمشي ,, 


لكن عندما يأتي الامر للحديث عن الله , عن ملكوت السماوات , عن الحقيقة , فلتنصت للطفل , فالطفل هو الاقرب , لأنهم اقرب الى فطرتهم وسجيتهم والى البراءة والصدق , 


ولكن ما نصنعه نحن معاكس تماماً , فنحن ننتظر قليلاً , الى ان يبدأ الطفل ان يعقل , ثم نقوم بدس جميع انواع السموم في عقله , نفرض عليه اشياء , نعلمه ان لا يثق فيما يعرفه بل فيما نعرفه , نفرض عليه الذهاب للمسجد او للكنيسة لأداء الصلاة بالطريقة التي اعتدنا عليها , نفرض عليه الانصياع للكتاب المقدس او للقرآن , نعلمه كل شيء قد تعلمناه , 


ولكن الم يأتي هذا السؤال في ذهن احدنا من قبل ؟ , الم يتسائل احدنا , هل ما اعرفه حقاً قد جعل مني انساناً افضل , هل حقاً عرفت الله ؟ , هل حقاً انا متدين ؟ ,, 


ان صدق المرء مع نفسه , لاكتشف حقيقة زيفه , ومن يكتشف الزيف يكتشف الحقيقة , ولكن الحقيقة اننا لدينا الكثير من الكبر الذي يمنعنا من ان نتقبل ببساطة حقيقة اننا لا نعرف ,, 


اتسائل , ما الحاجة للإيمان وللعقيدة , ما دام الانسان يعرف حقاً , لماذا لم اسمع عن احد يؤمن بالشمس ؟ , لماذا لم اسمع عن احد يؤمن بالقمر , هل يمكنك ان تنكر وجود كاتب هذا الكلام الآن ؟ , هل هناك اي داعي لأن تؤمن انني موجود , مادمت توقن فعلاً اني موجود ؟ ,, 


لماذا اذاً نسمع كثيراً عن الايمان بالله , والايمان بالمسيح , او بمحمد , او بالأنبياء , هذا ببساطة يدل على جهلنا , لأن الإيمان "بالمعنى الذي نعرفه" هو غطاء لجهلنا ليس اكثر , ان كنت تعرف فلن تكون بحاجة ان تؤمن ,, 


وان كنت لا تعرف , وتريد ان تعرف ؟ فماذا تفعل ؟ , اسأل من يعرف , وتوقف عن نشر وفرض ما تعتقده على ابناءك ورعيتك مادمت انت نفسك لا تعرفه ,,,


ومن هو الذي يعرف ؟ ,, هو الذي لا يعرف ,, 


كيف تقول انه ان كنت لا تعرف فاسأل من يعرف , ثم تقول من يعرف هو من لا يعرف ؟


من لا يعرف ويظن انه يعرف هو اجهل الناس , ومن يعرف ولا يعرف انه يعرف هو احكم الناس , 


ان اردت ان تسأل شيئاً عن الله , فلتسأل الشجرة , فهي تعرف الله بحق , بدون ان تعرفه , 


ان اردت ان تعرف الله بحق , فاسأل الطفل , فهو الاقرب للفطرة , للبراءة , 


انت لم تكن جاهلاً وجئت لتتعلم هنا , بل انك كنت فارغاً , وفراغك ذاته هو الذي كان يجعلك ممتلأً , فالطفل فارغ , ولديه المساحة لأن يستقبل النور من الله مباشرة , بدون ان يعرف كتب , ولا رجال دين , ولا عقائد , الطفل يعرف الله , كما تعرفه الفراشة وكما يعرفه العصفور وكما تعرفه الحية , 


ولكن عندما يخرج الطفل الى العالم , يظن الناس بجهلهم ان فراغهه جهلاً فيبدأون في حشوه , في ملأه , بالمعارف المستعارة , بالكتب المقدسة , بالتفاسير , بالقصص , بالمناهج , بالتقاليد , فبدل ان يزداد الطفل بعد ملأه ينقص , مثل ذلك كمثل من لديه صندوقاً ذهبياً جميلاً , يملأه بالعفن والمخلفات , ثم يأتي بعد ذلك ليضع فيه الجواهر والذهب , فلا يجد فيه متسع , 


لكي يمتلإ الصندوق بالجواهر النفيسة , علينا اولاً ان نفرغ ما بداخله من مخلفات غير ضرورة ,,,


كل ما قد عرفناه عن الله وعن الدين وعن الحقيقة , عن الصواب وعن الخطأ , عن ماهو جائز وماهو غير جائز , انما هو مخلفات , لن نعرف اي شيء حقاً الا عندما نفرغ قلوبنا منها تماماً ,, 


ثم بماذا نملأها ؟ 


لا يجب علينا ملأها بأي شيء , بل في الفراغ ذاته الامتلاء بالحق ,,,


لذلك قال يسوع ان الشيخ الطاعن في السن سيسأل الطفل ابن السبعة ايام عن الحياة , وان ذلك الشخص سوف يحيا , 


فالشيخ الطاعن في السن , الذي حصل من المعرفة والتجارب الكثير , هو الابعد عن الحق , وليس الاقرب كما قد يبدو , هو اقرب للجهالة , لأن صندوقه ممتليء بالكثير الكثير من الاشياء , وكلما كان ممتلئاً , كلما صعب تفريغه , وكلما كان ممتلإً كلما تلاشت امكانية ادراك الحقيقة , استقبال الحقيقة ,, 


فعلى هذا الشيخ الطاعن في السن , ان يصير كالطفل ابن سبعة ايام , الذي لا يعرف شيئاًً , ويتحول من كونه من الاولين , الى كونه من الاخيرين , الجديدين , البريئين , الذين لا يعرفون شيئاً , حينها فقط سوف يحيا ,,


فكثيرٌ من الاولين سيكونون آخرين ويكونون واحداً ,,


الكثير من الكبار , سيعودون صغاراً من جديد , وحينها , يصبح الكبير صغيراً , ويصبح الصغير كبيراً , واولئك الذين يعودون الى الخلف , ويفرغون اكوابهم , اولئك الذين يعودون بحال برائتهم كالأطفال , يمتلأون بالحياة , والدهشة , وكلما كثرت المعرفة , كلما طمس نور حاملها , وكلما كان اكثر براءة , اكثر فراغاً من الداخل , كلما سطعت شمسه , وامتلأ بالحياة 



5. قال يسوع: اعرفْ ما يواجهك، وما يخفى عليك ينكشف لك. فما من خفيٍّ إلا سينكشف.




اعتدنا دائماً على ان نهتم بالغد , بالمستقبل , بالمجهول , بيوم القيامة , بالعالم الآخر , بمعرفة الحقيقة , باكتشاف الاسرار , واهملنا تماماً الزمن الاهم , وهو الحاضر , والحقيقة الاهم , وهي ماهو امام اعيننا الآن , 


ولذلك سبب اساسي , وهو انه , ان ادركت الشيء البسيط الذي يواجهك الآن , فما الامتياز الذي ستحصل عليه , اين التميز في ان تدرك ماهو بين يديك ؟ , لا يوجد اي تميز في ذلك , لكن حينما يتعلق الامر باكتشاف شيء ما , بعيد , معقد , صعب , مختفي , تعلم جيداً ان من يكتشف الخفي , ويحقق الصعب , يصبح مميزاً , يصبح قوياً , لذلك تذهب من اجل اكتشاف البعيد , وتترك البسيط الذي يواجهك


هناك قاعدة بسيطة جداً , لن تسعى الى التميز , الا اذا كنت تعلم انك غير مميز , وهذا ما قد تعلمناه , انك لن تكون قوياً , مميزاً , او حتى مقبولاً بين الناس , الا اذا حققت اشياء صعبة بعيدة المنال , 


نسعى لأن نثبت للجميع , اننا اقوياء , اذكياء , مميزين , وذلك لأننا بأعماقنا نشعر اننا غير ذلك ,,,


هي عادة العقل دائماً ان يفكر في الشيء البعيد , صعب المنال , الشيء الخفي , وبسبب هذه العادة نفسها , لا يدرك الشيء البسيط جداً الذي امامه , وكيف يمكنه ان يدرك الشيء الذي امامه , وهو شارد هناااااااك في البعد السحيق , 


لكي تدرك اولاً ما يواجهك , لابد ان يكون عقلك هنا ايضاً في الحاضر , ليس هناك باحثاً عن المستقبل البعيد الذي لا يأتي ابداً ,,, 


وكيف لك ان تدرك الصعب البعيد وانت لا تدرك السهل البسيط الذي يواجهك ؟ , انت حتى لا تدرك ما امامك , فكيف لك ان تدرك ما خفي عنك ؟ 


يقول يسوع , اعرف ما يواجهك , وما خفي عنك ينكشف لك 


بدل من ان تبحث في البعيد , في المستقبل , اعرف فقط ما يواجهك , والبعيد الخفي , سينكشف عندما يحين وقته , لأنك وقتها ستكون مستعداً لتكتشفه , فإن كان عقلك شارداً دائماً في المكان البعيد , حتى لو ظهر لك الشيء الخفي الذي تبحث عنه دائماً لن تدركه , لأن عقلك قد اعتاد النظر بعيداً ,, 


ان كنت تبحث عن البعيد الخفي , فلن تعرف حتى القريب الذي يواجهك 


وان اصبحت واعياً فقط , حاضراً بذهنك لذلك البسيط الذي يواجهك الآن , سينكشف لك الخفي البعيد ايضاً ,, 


يتبع ..


الاثنين، 13 أكتوبر 2014

هكذا تكلم المسيح - 2


هكذا تكلم المسيح - 2



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


قال يسوع : هوذا الزارع خرج , واخذ حفنة من البذور ونثرها ,, بعضها سقط على الطريق فأتت الطيور ونقدته ,, وسقط بعضها الآخر على الصخر فلم يضرب جذورا في الأرض ولم يثمر سنابل , وسقط بعضها الآخر على الشوك فخنقه الشوك والتهمته الديدان , وسقط بعضها الآخر على ارضٍ طيبة فأنبت محصولاً طيباً , اعطى المكيال ستين وحتى مئة وعشرين ,,,




المسيح هو الزارع , وتعاليمه هي البذور , ونحن الأرض , بحسب وضع كلٍ منا تفعل التعاليم , والتي هي لم تكن كأي تعاليم , لم تكن حشو للعقول بما ينفع ولا ينفع , بل هي ببساطة مشاركة للسكون في الكلمات ,,,  المسيح يعيش في بعد مختلف عن ذلك البعد الذي يعيش فيه العالم , لذلك فاكلماته ليست كلامتنا وان كانت تبدو كذلك , فأنت لن تفهم كلام المسيح الا اذا فهمت العالم الذي هو يعيش فيه , الذي هو في نفس المكان الذي تتواجد انت فيه , لكنك لا تراه ولا تعرفه , وكلما عرفته كلما فهمت لغة المسيح ,, 


هذا دائماً مايحدث مع كل التعاليم الدينية , ومع كل معلم مستنير , كلٌ منا يأخذ من الدين بحسب مرحلته , فاستيعابنا للدين مختلف , لأننا نعيش في مراحل مختلفة , ممكن تلك البذرة التي قد رماها النبي ان تهبط على ارض غير صالحة , فتتدمر وتموت ولا تعود بالنفع , او ربما تنبت محصولاً رديء او سيء ومضر , ان كان هذا غير موجود في قوانين الزرع والحصاد , فهو موجود في قوانين العالم , التعاليم ممكن ان تتحول الى لعنة ان هبطت على شخص غير صالح , وتكون ذات التعاليم نبتة صالحة اذا وقعت في يد شخصاً اخر , تنبت نبتة صالحة , شجرة جذورها ثابتة وفروعها في السماء , وممكن ان تمر التعاليم على شخص اخر , ولا تثمر اي شيء ,,,


نحن نرى العالم من خلال انفسنا , فأنت ترى ذاتك في العالم , وما المعلم الحكيم الا مرآة صافية , تعكس فقط ما فيك انت , فإن كانت عينك لا ترى الا عالم الدنيا والملذات والازدواجيات , فلن تفهم من النص الا ذلك , فاعينك مرآة لما في داخلك , ومن خلال عينك انت ترى العالم , ان لم تكن قد اختبرت وعشت ما يتكلم عنه المعلم فلن تتمكن ابداً من فهمه , مهما ذهبت بذكائك بعيداً , مهما كنت منطقياً ولديك القدرة على التحليل والاستيعاب , فالأمر ليس له علاقة بالمنطق , الآلية هنا مختلفة , انت تحتاج عيناً كعين المسيح لترى المسيح , تحتاج ان ترى الامور بعينه لتفهم ما يتحدث عنه , ولكي تفهم ما يتحدث عنه , عليك بأن تصبح انت اولاً مسيحاً , اي تدرك المسيح الذي بداخلك , النور الذي بداخلك , والذي هو واحد لا يتجزء , ومن خلال هذا النور تبصر , فاتفهم وتعي وتشرب ,, 


بأي طريقة اخرى لن تفهم الدين , لن تفهم النبي محمد , الا عندما ترى بعين محمد , الا عندما تصبح انت ايضاً محمد , غير ذلك لن تفهم الا ما تستطيع ان تفهمه , لكي تفهم القرآن عليك ان تتغلغل في مصدره بداخلك , لترى بعين النور ,  فتفهم النور , وتتوحد معه بينما انت تقرأه ,,


الآن , ربما يقود المسيحيين , شخصاً لم يفهم المسيح يوماً , وربما يقود جموع المسلمين شخص هو في بعدٍ سحيق عن نور محمد , عليه الصلاة والسلام , فالمعيار هو كم المعرفة التي تعرفها , وكم الآيات التي تحفظها , وهيئتك وقداستك  وما الى ذلك , ولك ان ترى كيف ان هذا المعيار هو معيار الضلال , فكيف لشخص لا يعرف النبي ان يفهم ما قاله النبي ؟ ويوضحه للناس , بينما يتبعه الناس وكأنه يعرف , ويعتقدون انهم بذلك ليسوا بحاجة ان يعرفوا شيئاً , فقط يكفي ان يسألوا المفتي , كيف لشخص لا يعرف المسيح ان يقود جموع المسيحيين ؟ , هل يعين من قبل الكنيسة ليكون هو المتحدث الرسمي بإسم المسيح , وبأي معايير يعين , ربما يكون شخص فقير , لم يقرأ الكثير , ولم يعرف عن المسيح الكثير , لكنه اقرب للمسيح من جموع رجال الدين , المرددون لكلام المسيح باطلاً كالأمم ,  


يقول المسيح : "اذا قاد امرؤ اعمى امرؤ اعمى سقط كلاهما في حفرة" , والآن البشر يسلمون انفسهم للعميان ليقودوهم , فإلى اي هاوية نحن ذاهبون يا بني البشر , رجل دين اعمى , اي ليس لديه العين التي يبصر بها المسيح , فكيف يعلمك تعاليم المسيح ؟ , كيف تقبل بأن تعرف المسيح من شخص لم يشرب من النبع الذي شرب منه المسيح نفسه ؟ , كيف تقبل بأن تتبع سياسياً لا يعرف شيئاً عن ذاته , تسلم نفسك وعقلك له  , وهو يقودك , تسمح للأعمى ان يقودك , لأنك لا تفضل ان تفتح عينك , فلماذا تفتح عينك , ما دام الآخرون يفعلون كل شيء لأجلك , ولكن ماذا لو كانوا عمياناً ؟؟ , وهم كذلك جميعاً , لا يعرفون اي شيء عن انفسهم , ولا عن المسيح , ولا عن النبي ,  ولا عن اي شيء , هم في حلم دائم وزيف , لا يرى احدهم الا ما اراد له الناس ان يراه , لا يرى الا ما قد تعلمه , لا يرى ما يحدث , وماذا يكون الاعمى الا هذا الشخص ؟ , الذي يعرف الكثير , لكن  لا يبصر نفسه , ,,


الناس الآن يتركون مصائرهم تتحدد من قبل عميان , 


لكي تفهم تعاليم اي حكيم , اي مستنير , افتح عينك , واشرب من النبع الذي شربوا هم منه , لا تقبل بأقل من ذلك , فأنت كلما اقتربت من وعي المسيح , اقتربت من فهمك لتعاليمه , وحينما تفهم تعاليمه , لن تجد الحاجة لأن تأخذ تعليمات من احد حول ما لابد ان يقال وما يجب ان تظهر عليه الأمور , لربما فهمك ظاهرياً يناقض النص , حقيقةً ان لم يناقض فهمك النص , فأنت لم تفهم شيئاً , فالحكيم دائماً ما يذهب وراء النص 


يقول المسيح " من يشرب من فمي يصبح مثلي , انا نفسي اصير ذلك المرء , والأشياء المستورة تنكشف لذاك المرء "





يتبع ..

هكذا تكلم المسيح - 1


هكذا تكلم المسيح - 1



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ان الحكمة ليست حكراً لأي انسان , وهي المقصد والمطلب من وراء الكلمات والأشخاص , فلا يهم على لسان من قد جائت الحكمة , ولا في اي كتاب , بل ما يهم حقاً هو الحكمة نفسها ,التي تنير قلبك , وتذكرك بالنور الذي فيك , تطرب لها روحك , تلامس كيانك ,,

سأشارككم بعض المقولات المنسوبة لسيدنا المسيح عليه السلام , وهي مقتبسة من انجيل توما , وهو انجيل غير قانوني بالنسبة للكنيسة وللمسيحيين , اي انه غير معترف به , وهذا لايهمني انا شخصياً , لا يهمني ان كانت على لسان يسوع "عيسى" المسيح او لا, لكن هناك حكمة عظيمة وعميقة في الكلمات , اياً كان كاتب هذه الكلمات فهو لم يكن فيلسوفاً , ولم يكن رجل دين , بل كان شخصاً لديه حقاً تجربة صوفية عرفانية حقة ,شخص في اتصال مع نفسه ومع النور الذي في داخله , والذي هو مصدر كل الحكمة , وكل الكتب ,,

الكلمات المكتوبة , قد تكون غير واضحة لدى البعض , خصوصاً اولئك العالقين في الصورة التقليدية للدين , لذلك سأشارككم ما قد ادركته بصيرتي من الكلام , لنستمتع سوياً في حضرة تلك الكلمات الطيبة , وفي حضرة سيدنا المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ,,




1. وقال: من يكتشف تأويل هذه الأقوال لن يذوق الموت




كيف يمكن ان يتحرر الانسان من الموت ؟! , كيف يمكن ان لا يذوق الموت انسان , كلام عن الاذهان بعيد , نعم ولكنه حقيقي , الموت الحقيقي ليس هو موت الجسد , فما الجسد الا مسكن الروح الحية , هو الوسيلة التي تختبر بها الروح هذا العالم , الجسد يموت , كل جسد يموت , لكن الروح حية لا تموت , لأن الروح نفسها هي الحياة , فما سكنت الروح في جسد الا احيته , وما تركته الا اماتته , فأنت تسكن الجسد , الجسد يحيى , انت تذهب الجسد يموت , لكنك لا تموت , لا يمكن ان تموت ,,

لكن لماذا قال المسيح ان من يكتشف تأويل اقواله هذه هو الذي لن يذوق الموت ,,

هناك معنى اخر للموت , الموت هو غيابك عن ذاتك , وغيابك عن الله , وغيابك عن الحقيقة ,غيابك عن روحك , انت تعيش , تأكل وتشرب وتتزوج , لكن كل ما تفعله تفعله اوتماتيكياً , ليس في فعلك ولا حركاتك اي حياة , اي روح , اي حضور , عينك مفتوحة ,لكن ذهنك غير حاضر , دائماً تعيش في الاحلام والامنيات , ولا تستطيع ان تبصر الحقيقة , انت لست حي ,,

عندما تكون ميت حقاً , فإن عشت بمليون جسد , فسوف تظل ميتاً , في عالمنا هذا , وبعد انتفارق الجسد , لا يحدث اي فرق ,,

الانسان الحي , حي للأبد ,  حتى ان فارق الجسد ,فهو حي ,

من يكتشف تأويل هذه الاقوال , التي هي مخاطبة حدسك فقط لك ليس اكثر , التي هي مخاطبة ذاتك الحقة لك ليس اكتر , سوف لن يذوق الموت , من يكتشف نفسه , سوف لن يذوق الموت, ولا فارق بين اكتشاف تأويل هذه الكلمات وبين اكتشاف الذات , فإن هذه الكلمات من الذات , ان اكتشفتها اكتشفت ذاتك , وان اكتشفت ذاتك لن تذوق الموت ,,

العالم الخارجي والعالم الداخلي واحد , حدسك ليس فقط في داخلك , بل هو ايضاً في خارجك ,هو الذي يخاطبك من خلال الحكيم والمستنير ومن خلال الانبياء , من خلال الاشارات والعلامات , ومن خلال كل شيء , فإن اكتشفت تأويل هذه الكلمات , فإن فهمت رسائل قلبك , فسوف لن تذوق الموت .




2. قال يسوع: مَنْ يطلب فلا يستنكف عن الطلب إلى أن يجد. وحين يجد سوف يضطرب. وعندما يضطرب سوف يَعْجَب ويسود على الكل.




لو ان الفرد عاش الحياة بأكملها , سوف يوفر على نفسه الكثير , تجربة واحدة بكثافة وعمق , تغني عن مئات التجارب الاخرى , من يطلب فلا يستنكف عن الطلب الى ان يجد ,ان بدأت شيئاً فأتمه للنهاية , لا تهرب منه , لا فعلياً ولا ذهنياً , استمر حتى تجد , وان عشت التجربة بكثافة , ووجدت ما انت كنت تطلبه , سوف تتغير , وتضطرب ,الاضطراب مرافق دائماً للتغيير , الاضطراب مرافق للتوسع ! , فإن توسع ادراكك اضطربت , لأنك لم تعد في ذات المكان الذي كنت فيه من قبل , وعندما يضطرب سوف يعجب ويسود على الكل !!

عندما تعيش هذا الاضطراب , وتعيش هذه المرحلة , سوف تمتليء حينها بالدهشة , الدهشة من التجربة والحال الذي انت فيه , الدهشة من الادراك الجديد , ادراكك لذاتك من خلال التجربة , تلك الدهشة هي العجب والتعجب , وحين يعجب , حين يدرك انه لم يكن يطلب شيئاً الا ماعنده , فلسوف يتحرر ويسود على الكل , لا يسيطر , لكن يسود , يسمو بإدراكه فوق كل شيء , لا يعلق في اي شيء , وهذه هي السيادة , السيادة هي اللاسيطرة, اللاتحكم , اللافعل , التخلي ..





3. قال يسوع: إذا قال لكم قادتكم:"هو ذا، الملكوت في السماء،" فسوف تسبقكم طيور السماء. إذا قالوا لكم:"إنه في البحر،" فسوف تسبقكم الأسماك. الملكوت بالحري في داخلكم وهو فيخارجكم. 

عندما تعرفون أنفسكم، إذ ذاك ستُعرَفون، وتَفهمون أنكم أنتم أبناء الآب الحيِّ. لكنكم إذا لم تعرفوا أنفسكم، أقمتم في الفقر، وكنتم الفقر




لم يكن المسيح عليه السلام يستخدم مصطلح الجنة , للدلالة على النعيم المستحق للمؤمنين, بل كان يشير الى هذا النعيم بملكوت السماوات , او ملكوت الآب , او الحياة الابدية ,

ان الذي لم يجد الجنة هنا والآن في هذا العالم الذي نعيش فيه الآن , فسوف لن يجدها في اي مكان , هذا ما يقوله المسيح , انظر لنفسك , عندما كنت تملك ماتحب , هل ياترى كنت قادراً على ان تراه وتستمتع به حقاً , هل كنت سعيداً حقاً ؟؟ , نحن غالباً مانتوقع ان نكون سعداء عندما نحصل على شيء ما , لكن عندما تحدث الأشياء لا نجد ماكنا نبحث عنه !! , ومع ذلك نستمر في وضع الامل على المستقبل في ان يجعلنا سعداء ,,

بحثك عن السعادة هو ذاته بحسك عن الجنة , او عن ملكوت السماوات , او عن الحياة الابدية, وانت لن تصل لأي جنة او ملكوت , طالما انت خاوياً من الداخل , حتى ان تنعمت بكل النعيم المادي سوف لن تتمكن من العيش فيه , سوف لن تجد ما كنت تنتظره منه , سوف تجد الخواء , الى ان تمتليء انت من داخلك بالنور , فلا ترى سوى النور , فحينها الجنة تصحبك اياً كنت , لأن الجنة فيك , والجحيم ايضاً فيك , لو كنت تعيش الجحيم في داخلك , فسوف تجد الجحيم في كل مكان , لو كنت تعيش الجنة في داخلك سوف تجدها في كل مكان ,,

انه ليست هناك , في السماء , او في البحر , او في المستقبل , انها هنا والآن ,,,

العالم الداخلي والعالم الخارجي مرتبطان ومتشابكان , فما العالم الخارجي الا ظل للعالم الداخلي , لذلك قال المسيح عليه السلام الملكوت في داخلكم وخارجكم , انت يمكن ان تدركه من خلال الخارج او الداخل , فأنت لا تعيش سوا ذاتك , فالخارج مرآة فقط لما في الداخل , من خلال التجربة , من خلال ما تعيشه , يمكنك ان تدرك الملكوت , الذي هو في داخلك , لأنك عندما تغوص في التجربة , تغوص في داخلك , وهذه هي المعجزة ,وهذا هو العجب !

الكثيرمن الناس يستمر في القول "نحن ابناء الله" , الكثير من الناس يعتقد انهم ابناء الله , انهم عباد الله , لكن الاعتقاد لا يعني اي شيء , الاعتقاد بشيء لايعني فهمه , الفهم لا يأتي الا من التجربة , يمكنك ان تعتقد بالكثير من الأشياء ,لكنك لا يمكن ان تعتقد في كأس المياه التي تقوم بشربها الآن ! , ولا في الثمرة التي انت تأكلها الآن , الاعتقاد هو غياب الإيمان , الإيمان نتيجة الاختبار ,والاختبار داخلي , فإن عرفت نفسك , فإن عرفت حقيقة  نفسك , عرفت حقيقة كل شيء ,,

لذلك يقول المسيح عندما تعرفون انفسكم , عندها سوف تفهمووووون انكم انتم ابناء الآب الحي , ادراك وتجربة لا اعتقاد , ويتابع ويقول , لكنكم اذا لم تعرفوا انفسكم اقمتم في الفقر وكنتم الفقر , اي انه ان لم تعرفوا انفسكم , وتختبروا ذواتكم , فـأنتم فارغين , وان اعتقدتم بأي شيء , طالما لم تعرفوا انفسكم فأنتم فقراء , تعيشون في الفقر , في حال الخواء , وتكونوا انتم الفقر , اي تمثلوا الفقر وتظهروه للعالم من خلال انفسكم !!


يتبع....